الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
216
تفسير روح البيان
والاقتراح على سبيل التعنت والعناد لا على سبيل الإرشاد وقصد الجدوى والكاف في كذلك منصوب المحل على أنه مفعول قال وقوله مثل قولهم مفعول مطلق اى قال كفار الأمم الماضية مثل ذلك القول الذي قالوه قولا مثل قولهم فيما ذكر فظهر ان أحد التشبيهين لا يغنى عن الآخر تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ اى تماثلت قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى والقسوة والعناد وهو استئناف على وجه تعليل تشابه مقالتهم بمقالة من قبلهم فان الألسنة ترجمان القلوب والقلب ان استحكم فيه الكفر والقسوة والعمى والسفه والعناد لا يجرى على اللسان الا ما ينبئ عن التعلل والتباعد عن الايمان كما قيل مرد پنهان بود بزير زبان * چون بگويد سخن بدانندش خوب گويد لبيب گويندش * زشت گويد سفيه خوانندش قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ اى نزلناها بينة بان جعلناها كذلك في أنفسها كما في قولهم سبحان من صغر البعوض وكبر الفيل لا انا بيناها بعد ان لم تكن بينة لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ اى يطلبون اليقين واليقين أبلغ العلم واوكده بان يكون جازما اى غير محتمل للنقيض وثابتا اى غير زائل بالتشكيك بعد ان يكون مطابقا للواقع فالايقان هنا مجاز عن طلب اليقين على طريق ذكر المسبب وإرادة السبب ولا بعد في نصب الدلائل لطلاب اليقين ليحصلوه بها وانما حمل على المجاز لان الموقن بالمعنى المذكور لا يحتاج إلى نصب الدلائل وبيان الآيات فبيان الآيات له طلب لتحصيل الحاصل إِنَّا أَرْسَلْناكَ حال كونك ملتبسا بِالْحَقِّ مؤيدا به والمراد الحجج والآيات وسميت به لتأديتها إلى الحق بَشِيراً حال كونك مبشرا لمن اتبعك بما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب أحد وَنَذِيراً اى منذرا ومخوفا لمن كفر بك وعصاك والمعنى ان شأنك بعد اظهار صدقك في دعوى الرسالة بالدلائل والمعجزات ليس الا الدعوة والا بلاغ بالتبشير والانذار لا أن تجبرهم على القبول والايمان فلا عليك ان أصروا على الكفر والعناد فان الأحوال أوصاف لذي الحال والأوصاف مقيدة للموصوف وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ ما لهم لم يؤمنوا بعد ان بلغت والجحيم المكان الشديد الحر وقرئ ولا تسأل بفتح التاء وجزم اللام على أنه نهى لرسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم عن السؤال عن حال أبويه على ما روى أنه عليه السلام قال ( ليت شعري ما فعل أبواي ) اى ما فعل بهما وإلى أي حال انتهى أمرهما فنزلت * واعلم أن السلف اختلفوا في أن أبوي النبي صلى اللّه عليه وسلم هل ماتا على الكفر أو لا ذهب إلى الثاني جماعة متمسكين بالأدلة على طهارة نسبه عليه الصلاة والسلام من دنس الشرك وشين الكفر وعبادة قريش صنما وان كانت مشهورة بين الناس لكن الصواب خلافه لقول إبراهيم عليه السلام وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ وقوله تعالى في حق إبراهيم وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ وذهب إلى الأول جمع منهم صاحب التيسير حيث قال ولما امر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بتبشير المؤمنين وإنذار الكافرين كان يذكر عقوبات الكفار فقام رجل فقال يا رسول اللّه اين والدي فقال في النار فحزن الرجل فقال عليه السلام ( ان والديك ووالدي ووالدي إبراهيم في النار ) فنزل قوله تعالى وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ